تستعد الحكومة البريطانية لإطلاق مبادرة طموحة تهدف إلى تحويل قطاع الدفاع من مجرد ضرورة أمنية إلى محرك اقتصادي حيوي، من خلال استثمار 250 مليون جنيه إسترليني في استراتيجية دفاعية صناعية جديدة ستُعلن رسميًا اليوم الاثنين، وفقًا لما كشفته صحيفة "فايننشيال تايمز".
النمو الاقتصادي
أعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن هذه الخطط تمثل "تحولًا حاسمًا" في التعامل مع الدفاع كمحرك للتنمية الصناعية إلى جانب كونه ضرورة للأمن القومي.
وستشهد الاستراتيجية الجديدة إطلاق خمس "صفقات نمو دفاعية" موزعة عبر المملكة المتحدة لتفعيل إمكانات السلطات المحلية والشركات والمؤسسات البحثية في دعم الدفاع البريطاني، حسبما أوضحت وزارة الدفاع.
يُتوقع أن يعلن "هيلي" عن هذه الاستراتيجية خلال زيارة لمنشأة تقنية متطورة في بريستول، في إشارة واضحة لربط الدفاع بالابتكار التكنولوجي.
وتمثل هذه المبادرة انتقالًا جذريًا من مفهوم "عائد السلام" الذي ساد في الحقبة التي تلت الحرب الباردة، عندما كانت الحكومات الغربية تروّج لتقليل الإنفاق الدفاعي، إلى ما تسميه الحكومة البريطانية الآن "عائد الدفاع" كوسيلة لتحفيز النمو الاقتصادي.
نجاحات دولية
تأتي هذه الاستراتيجية في أعقاب توقيع عقود تصدير مهمة للسفن الحربية البريطانية، أبرزها اتفاق النرويج على شراء خمس فرقاطات على الأقل من طراز Type 26 المخصصة لمطاردة الغواصات، التي ستُبنى أساسًا في جلاسكو من قِبل شركة BAE Systems ضمن عقد تقدر قيمته بنحو 10 مليارات جنيه إسترليني.
كما أكد مسؤولون حكوميون وجود محادثات متقدمة مع كل من الدنمارك والسويد لتوقيع صفقات سفن حربية مماثلة، ما يعكس تزايد الطلب الدولي على المنتجات الدفاعية البريطانية.
آفاق لخلق الوظائف
يتفق قادة الصناعة على أن خطط الحكومة الجديدة والتزاماتها المالية قادرة على إحداث نقلة نوعية في حجم ونطاق قطاع الدفاع البريطاني وتوليد آلاف الوظائف الجديدة. وكشفت دراسة أجرتها منظمة ADS، الهيئة التجارية المتخصصة في قطاعات الطيران والدفاع والفضاء، أن رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 سيخلق نحو 50,000 وظيفة إضافية في قطاع يوظف حاليًا أكثر من 180,000 شخص.
الأمر الأكثر إثارة، وفقًا لمنظمة ADS، أن زيادة الإنفاق إلى 3.5% كما تشير الالتزامات الحالية، يمكن أن تدعم 85,000 وظيفة مباشرة إضافية.
وأكد كيفن كريفن، الرئيس التنفيذي للمنظمة، أن "الهدف الأساسي من الدفاع والأمن هو الحماية والردع، ولكن في هذه العملية، تصبح القيمة التي نقدمها للاقتصاد ذات أهمية متزايدة للابتكار والازدهار"، مشيرًا إلى أن الوظائف في هذا القطاع تتيح أيضًا فرصًا للحراك الاجتماعي.
طموحات مالية
تكشف الأرقام المالية طموح بريطانيا الكبير في هذا المجال، حيث تنفق المملكة المتحدة حاليًا نحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع وفقًا لمعايير الناتو، بينما وضعت الحكومة هدفًا للوصول إلى 2.5% بحلول عام 2027 وأعربت عن "طموح" للوصول إلى 3% في البرلمان المقبل.
وبحسب مكتب المسؤولية الميزانية، ستعني الزيادة إلى 3% إنفاقًا إضافيًا بنحو 17.3 مليار جنيه مقارنة بخط الأساس الحالي البالغ 2.3%.
في المدى الأطول، تعهدت المملكة المتحدة مع بقية دول حلف شمال الأطلسي بالوصول إلى 3.5% من الناتج المحلي، أو زيادة تقدر بنحو 30 مليار جنيه، بحلول منتصف العقد المقبل.
وقد أدت هذه الأولوية المتزايدة للإنفاق الدفاعي إلى تغيير في السياسة الخارجية البريطانية، حيث قرر رئيس الوزراء كير ستارمر خفض ميزانية المساعدات الخارجية لتعزيز الاستثمار في الصناعات الدفاعية.