في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، زار القاهرة مندوب عن السياسي ورجل الأعمال الهندي عثمان حيدر أباد - أحد أشهر أغنياء عصره - حتى أن ثروته في ذلك الحين حسب بعض المصادر كانت تتجاوز 2 % من الناتج الإجمالي القومي للولايات المتحدة الأمريكية.
كانت مهمة مندوب السياسي الهندي الأساسية البحث عن القارئ المصري الشيخ محمد رفعت، وعندما وجده، قال له:
ــ مولانا الشيخ؟
ــ نعم
ــ سيدي صاحب السعادة (أو صاحب السمو الأعلى) يريد من حضراتكم السفر إلى الهند وقراءة القرآن الكريم هناك مقابل 100 جنيه مصري في اليوم الواحد (وبالطبع المدة مفتوحة).. فما ردكم؟
سكت الشيخ ولم يعلق، فيما استطرد الضيف مواصلًا عرضه أو كلامه، قائلًا: "وهذا بطبيعة الحال غير التكفُّل بنفقات الرحلة والإقامة كافة لكل من يسافر مع حضراتكم".
انتظر المندوب رد الشيخ، الذي قال له: "أشكر عرضكم الطيب.. وأشكر شعبكم الحبيب.. لكنني أفضل أن أبقى في مصر وإحياء ليالي الفقراء بالمجان"، حينها سكت المندوب ولم يُعلّق.
كانت هذه أسطورة من الأساطير التي تُحكى وتُروى عن مواقف الشيخ محمد رفعت وزهده وورعه وحبه الدائم للفقراء.
أيضًا هناك حكاية قد تصل إلى حد الأساطير، تحكي عن ضابط من دولة كندا، كان ضِمن القوات المتحاربة (الحلفاء) أيام الحرب العالمية الثانية، وكان مسلمًا بطبيعة الحال، وطلب من مكتب مدير الإذاعة المصرية حين ذاك، التعرف على الشيخ محمد رفعت، وبالفعل اتصل مكتب رئيس الإذاعة بمنزل الشيخ الذي رحب باللقاء.
وعندما وصل الضابط وجلس أمام الشيخ بكى، فسأله سائلٌ كان حاضرًا اللقاء. ما الذي يبكيك؟، فرد: "لم أكن أعلم أنه أعمى والآن عرفت سر الألم العظيم الذي يفيض به صوته العبقري".
فهل هذه الحكايات والمرويات والأساطير وغيرها هي التي جعلت الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي يقول عنه: (إن أردنا أحكام التلاوة فعلينا بالشيخ محمود خليل الحصري.. وإن أردنا حلاوة الصوت فعلينا بالشيخ عبد الباسط عبد الصمد.. وإن أردنا الخشوع في القراءة فعلينا بالشيخ محمد صديق المنشاوي.. وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فهو الشيخ مصطفى إسماعيل.. لكن لو أردنا هؤلاء جميعًا فهو الشيخ محمد رفعت)؟ .... ربما!
وُلد الشيخ الراحل في القاهرة عام 1882 بحي المغربلين ورحل في عام 1950.