الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

انعكاسات التعاون الاقتصادي المصري الصيني في إفريقيا

  • مشاركة :
post-title
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

جذبت قارة إفريقيا تعاونًا مصريًا صينيًا في العديد من المجالات الاقتصادية، خلال السنوات الأخيرة، فالشراكة الإستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، التي وقعت عام 2014 عملت كبوابة رئيسية لدخول الاستثمارات الصينية إلى القارة الإفريقية، فالصين تُعد من أكبر الاقتصاديات في هذا العصر، فناتجها المحلي الإجمالي بلغ نحو 19.5 تريليون دولار عام 2025، الأمر الذي يُشير إلى أن التعاون المصري الصيني في قارة إفريقيا يُعد من أهم وأكبر أنواع التعاون الإستراتيجية.

تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على أنماط التعاون المصري الصيني في قارة إفريقيا، مع توضيح الانعكاسات الاقتصادية لهذا التعاون على القارة بأكملها.

أنماط التعاون

يُمكن بلورة التعاون الاقتصادي بين مصر والصين في قارة إفريقيا على النحو التالي:

الشكل (1): الصادرات والواردات بين الصين والدول الإفريقية -المصدر: الإدارة العامة للجمارك الصينية، قاعدة بيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة

(-) تعاون تجاري: تهتم الصين اهتمامًا بالغًا بتعميق التعاون التجاري مع مصر والدول الإفريقية الأخرى، خاصة عقب التطبيق الكامل لإجراء الصين بإلغاء الرسوم الجمركية، اعتبارًا من بداية شهر مايو 2026 لجميع الدول الإفريقية الـ53، التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، ما ترتب عليه أن حقق التبادل التجاري بين شمال شرق الصين والدول الإفريقية نموًا سنويًا بنسبة 82.1% في النصف الأول من عام 2026، بقيمة صادرات 28.63 مليار يوان "4.2 مليار دولار أمريكي" بزيادة قدرها 94.5%، و بقيمة واردات 2.79 مليار يوان، بزيادة قدرها 10.3%.

وفي السياق ذاته يجدر الإشارة إلى أن مصر تُعتبر بوابة رئيسية للصين للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، فالصين عملت على إنشاء خطوط بحرية تربط بين موانئها والموانئ المصرية، إذ أعلنت دوائر ملاحية عن تدشين خط بحري صيني يربط شرق آسيا بشمال إفريقيا عبر مصر وليبيا، إذ ينطلق من ميناء تشينجداو شرق الصين ليمتد عبر مسار بحري مباشر إلى منطقة شرق المتوسط، ويتوقف عند ميناء بورسعيد، قبل أن يواصل رحلته نحو السواحل الليبية، الأمر الذي يُقلل زمن الشحن بنحو 10 أيام مقارنة بالطرق التقليدية.

فضلًا عن ذلك أطلقت شركة "جلوبال لوجستيك" خدمة مباشرة جديدة تربط بين ميناء السخنة في مصر ومينائي نينجبو ونانشا "شيكو" في الصين، إضافة إلى أن دشَن الخط الملاحي CULINES الصيني خدمة جديدة تربط ميناء السخنة بعدد من الموانئ الأسيوية، ما ترتب عليه ارتفاع التبادل التجاري بين مصر والصين إلى نحو 20.79 مليار دولار عام 2025، مقارنة بنحو 11.6 مليار دولار عام 2014.

وبشكل عام على مستوى القارة يتضح من الشكل (1) النمو التدريجي في الصادرات والواردات بين الصين والقارة الإفريقية، إذ ارتفعت صادرات الصين إلى 198.5 مليار دولار، عام 2025، مقارنة بـ88.8 مليار دولار عام 2016، كما ارتفعت الواردات إلى 122.3 مليار دولار، مقارنة بـ59.3 مليار دولار.

ويُمكن القول في السياق ذاته، إن عضوية مصر في الاتفاقيات التجارية مثل اتفاقية الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، منحت ميزة تفضيلية للشركات الصينية المُتخذة من الأراضي المصرية قاعدة للتصدير نحو الأسواق الإفريقية.

الشكل (2): حجم الاستثمارات الصينية في مصر عام 2025 مقارنة بعام 2010 (بالمليار دولار)

(-) تعاون استثماري: إن الاستثمارات الصينية في مصر تُعتبر ركيزة أساسية لحضور بكين في القارة الإفريقية، فقد ارتفعت الاستثمارات الصينية في مصر بشكل كبير للغاية بعد توقيع الاتفاقية الشاملة، في مايو 2025 ارتفع عدد الشركات الصينية العاملة في مصر إلى نحو 2800 شركة مقارنة بنحو 1220 شركة صينية عام 2015، بمعني أن عدد الشركات تضَاعف بأكثر من مرتين، كما ارتفعت الاستثمارات المُعلنة بأكثر من 16 ضعفًا خلال نحو عقد، فوفقًا للشكل (2) ارتفعت الاستثمارات الصينية في مصر من 307 مليون دولار عام 2010 إلى 10 مليارات دولار عام 2025.

وفي الربع الأول من عام 2026 بلغت حجم الاستثمارات الصينية الجديدة، التي استقطبتها مصر نحو مليار دولار، ما يُمثل 20% فقط من إجمالي الاستثمارات الصينية المُستهدف جذبها لمصر في العام الحالي، والمُقدرة بنحو 5 مليارات دولار، فمنطقة تيدا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تُعتبر أهم مركز للاستثمار الصناعي الصيني، إذ وصلت استثمارات المنطقة نحو أكثر من 3.8 مليار دولار نهاية عام 2025 مع وجود نحو 200 شركة، الأمر الذي يوضح أن الصين لم تعد تستثمر فقط في السوق المصرية، وإنما تستخدم مصر كقاعدة إنتاج وتصدير إلى أسواق أخرى، خاصة الأسواق الإفريقية.

وإضافة إلى ذلك كان للصين حضور قوي في مجال الطاقة المتجددة المصري، خصوصًا من خلال شركات مثل Sun grow , TBEA, LONGI, China energy، وفي يناير 2026 دخلت مصر في اتفاقيات للطاقة المتجددة بقيمة إجمالية 1.8 مليار دولار، وفي يونيو 2026 ناقشت مصر والصين أيضًا التعاون في تحديث شبكة الكهرباء المصرية، حتى تستطيع استيعاب قدرات التوليد الجديدة من الطاقة المتجددة.

وبلغت الاستثمارات الإجمالية الصينية في مصر وإفريقيا نحو 300 مليار دولار، بحسب ما أكدته ممثلة التجارة الصينية المشاركة في منتدى الأعمال المصري الصيني، الذي نظمه الاتحاد العام للغرف التجارية المصري، فبراير 2025، فقد شكَلت شركة المقاولون العرب المصرية وشركة هندسة البناء الحكومية الصينية "CSCEC" تحالفًا مشتركًا، لتنفيذ البنية التحتية الضخمة والمشروعات العملاقة في جميع أنحاء مصر والقارة الإفريقية الأوسع.

انعكاسات رئيسية

التعاون الاقتصادي بين مصر والصين يحمل العديد من الانعكاسات الإيجابية على القارة الإفريقية، التي سيتم توضيحها في النقاط التالية:

(-) نقل الخبرات التصنيعية: تُعد مصر مركزًا محوريًا للتصنيع والخدمات اللوجستية للشركات الصينية، التي تستهدف الوصول إلى أسواق أوسع في إفريقيا، والتعاون الاستثماري بين مصر والصين يعمل على توطين التصنيع بشكل كبير، إذ إن نقل القدرات التصنيعية الصينية إلى القارة الإفريقية عن طريق الدولة المصرية، يُسهم في ربط الأسواق الإفريقية بمبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين، عام 2013، التي نتج عنها سد الفجوة الكبيرة في تمويل البنية التحتية، وخفض تكاليف النقل والشحن.

(-) نقل التكنولوجيا المتقدمة: إن الاستثمارات الصينية في مصر تُقدم مثالًا ناجحًا للاستثمار المباشر الذي يُفيد ويستفيد من الدولة المُقيم بها، ففي أثناء التفاوض بين الجانبين المصري والصيني على استثمار مُحتمل بقيمة ملياري دولار لإنشاء مجمع صناعي مُتكامل الخدمات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تم الاتفاق على أن يُركز المجمع الصناعي الكبير على نقل التكنولوجيا المتقدمة التي يُباشر العمل بها، فالتكنولوجيا أصبحت متغيرًا أساسيًا في دالة الإنتاج داخل الدول، ودونها سيحدث تخلف عن الركب التنموي بشكل كبير، وبالتالي فالقارة الإفريقية تستفيد من الاستثمار الصيني الكبير الذي يجد في الدولة المصرية مركزًا كبيرًا له.

خريطة (1) توضح توزيع استثمارات الطاقة المتجددة في القارة الإفريقية

(-) توطين الطاقة المتجددة: إن التوترات التي تنتشر حاليًا حول إمدادات النفط الخام، جعلت الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة تتعمق بشكل أوسع، فعلى مدى العقديين الماضيين ازداد انخراط الصين في قطاع الطاقة الإفريقي كشريك رئيسي في تطوير البنية التحتية وتوفير الكهرباء، فمبادرة الشراكة العالمية لأنظمة الطاقة "CGSP" نفذت نحو 83 مشروعًا للطاقة المتجددة في إفريقيا، بإجمالي استثمارات بلغت نحو 52.4 مليار دولار، الأمر الذي من المرجح أن ينعكس على معدلات التنمية داخل الدول الإفريقية، فهذه المعدلات تتوقف بشكل أساسي على مدى توفر الطاقة داخل الدولة.

في النهاية يُمكن القول إن التعاون المصري الصيني يُشكل جوهر العلاقات الإستراتيجية للصين في إفريقيا، فمصر هي البوابة الرئيسية لجميع الدول الإفريقية، والاستثمارات الصينية ارتفعت بشكل كبير للغاية في قارة إفريقيا بعد توقيع الاتفاقية الشاملة مع مصر، فالمنفعة الاقتصادية مُتبادلة بين الدول الإفريقية والصين، فالصين تسعى إلى تحقيق الريادة في مجالات المعادن الحيوية والطاقة المتجددة، وفي المقابل تحتاج الدول الإفريقية إلى تدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر تُنعش الموازنات العامة.