أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إبرام اتفاق مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يقضي بضخ ملايين الأطنان من وقود الديزل الروسي في الأسواق الأمريكية والعالمية، في خطوة تُمثل تحولًا لافتًا في السياسة الأمريكية تجاه موسكو، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية قبل نحو شهر من انتخابات التجديد النصفي، فيما كشفت بوليتيكو أن إعلانها تزامن مع محادثات سلام أوكرانية-أمريكية كانت تجري في الوقت ذاته بولاية فلوريدا.
أرقام الصفقة
نشر ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" أن روسيا ستُورد فورًا 300 ألف طن من الديزل إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، تليها 500 ألف طن خلال نوفمبر، ومليون طن إضافية "فور ذلك"، فضلًا عن 3 ملايين طن مشروطة بطاقة المصافي الروسية، لتبلغ الكميات الإجمالية المُعلنة نحو 4.8 مليون طن، وفق ما أوردته مجلة نيوزويك.
وأكد الكرملين الصفقة في بيان نشره على تليجرام نقل فيه عن بوتين قوله إنه "واثق من أن هذا سيُلقي بأثر إيجابي على الاقتصاد العالمي بأسره".
وعلى الفور، رفعت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات المفروضة على صادرات الديزل الروسي مؤقتًا حتى أبريل المقبل عبر ترخيص عام خاص، أشارت إليه صحيفة واشنطن بوست، في خطوة وصفها المحلل بريت إريكسون بأنها تكشف "مدى يأس ترامب"، إذ قبل تقويض عقوباته الخاصة "في مقابل ما لا يعدو كونه هامش خطأ في حسابات الأسواق العالمية".
أزمة الديزل تُحرق الناخبين والجمهوريين
تأتي الصفقة على خلفية ارتفاع حاد في أسعار الديزل، بلغ بحسب بيانات AAA التي استشهدت بها صحيفة واشنطن بوست 6.28 دولار للجالون في المتوسط، مقارنة بـ3.68 دولار قبل عام، فيما سجل ذروة قياسية عند 6.53 دولار، وفق صحيفة فايننشال تايمز.
وهذا الارتفاع الحاد يُلقي بظلاله على المزارعين والسائقين وشركات الشحن والصناعة، وبات يُشكل ورقة ضغط انتخابية يستثمرها الديمقراطيون لاختراق ولايات الغرب الأوسط، التي طالما اعتُبرت معقلًا جمهوريًا راسخًا.
واتخذ ترامب قبل أيام جملةً من الإجراءات للتخفيف من وطأة الأزمة، منها السماح باستخدام الديزل المُعفى من الضرائب على الطرق العامة حتى نهاية العام، غير أن المحللين شككوا في جدوى تلك الخطوة لأنها "لا تُضيف ولو جالونًا واحدًا من الإمداد"، وفق ما نقلت مجلة نيوزويك عن باتريك دي هان من "جاز بدي".
شكوك المحللين
على الرغم من ضخامة الأرقام المُعلنة، أبدى خبراء تحفظات جوهرية حول قدرة روسيا الفعلية على الوفاء بهذه التعهدات، إذ كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن المصافي الروسية تعمل بنحو 60% من طاقتها جراء الضربات الجوية الأوكرانية، وتساءلت ميشيل برووهارد من شركة "كبلر": "أين سيأتي الديزل؟ روسيا لا تعاني مشكلة تصدير، بل مشكلة تكرير".
وأشار جريجوري برو من مجموعة "يوراسيا" إلى أن الكميات المُعلنة لا تُمثل سوى 74 ألف برميل يوميًا في المدى القصير، وهي "شريحة هزيلة" من الاستهلاك الأمريكي اليومي.
أما توم كلوزا من شركة "خليج النفط" فوصف الإعلان بأنه "ضجيج من تروث سوشيال"، مضيفًا أن تفاعل الأسواق بانخفاض سبعة إلى ثمانية سنتات للجالون لا يُنبئ بتغيير حقيقي في المشهد، وأن "جزيئات الديزل شحيحة وستظل كذلك طوال أكتوبر ونوفمبر وما بعدهما"، وفق ما نقلته مجلة نيوزويك.
زيلينسكي غاضب
كانت الصدمة الأوكرانية الأعمق في توقيت الإعلان لا في مضمونه، إذ كشفت بوليتيكو أن ترامب أبرم الاتفاق مع بوتين في اللحظة ذاتها التي كان فيها الوفد الأوكراني يجري محادثات مع نظيره الأمريكي في ميامي، ليتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واشنطن باستخدام تلك المفاوضات "ستارًا للدخان" لتمرير صفقاتها الخلفية مع موسكو، معتبرًا الخطوة "قرارًا ضعيفًا من شركاء أقوياء".
وقال زيلينسكي بصراحة: "في هذه اللحظة بالذات، بينما يتحدث فريقنا مع الفريق الأمريكي في فلوريدا، يتحدث الرئيس الأمريكي مع قائد هذه الحرب ويُبرم معه اتفاقًا يتيح لروسيا تصدير الديزل، وهذا يعني المزيد من المال لاستمرار الحرب".
ورد مسؤول أوكراني رفيع لفايننشال تايمز بحسم: "سنحرق مصافيهم". داخليًا، لم يسلم ترامب من الانتقاد الجمهوري، إذ أدان النائب دون بيكون من ولاية نبراسكا الصفقة، مؤكدًا أن "شراء الوقود الروسي ليس الإجابة الصحيحة"، في إشارة إلى أن قانون العقوبات الذي وقعه ترامب ذاته الشهر الماضي، كان يرمي إلى تشديد الضغط على موسكو لا تخفيفه.