قبل شهر واحد فقط، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أنه لا يثق في التزام إيران بأي اتفاق يتم التوصل إليه، لكنه رغم ذلك توجه إلى سويسرا لمحاولة التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم فانس بشكل وثيق بمفاوضات السلام الهشة مع طهران، في رهان سياسي أصبحت مخاطره أكثر وضوحًا هذا الأسبوع، بعد انهيار وقف إطلاق النار، وشن الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وأثار مخاوف داخل الحزب الجمهوري بشأن تداعيات الأزمة على انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بحسب صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
ويرى مراقبون تحدثوا للصحيفة الأمريكية، أن "فانس" هو أكثر السياسيين الأمريكيين ارتباطًا بمصير الملف الإيراني، إلا أن مساعديه وحلفاءه يؤكدون أن تشكيكه المبكر في فرص نجاح الاتفاق، وتحذيراته المتكررة من عدم إمكانية الوثوق بالنظام الإيراني، قد يمنحانه غطاءً سياسياً إذا استمرت المواجهة.
وقال أحد العاملين في الحزب الجمهوري، فضل عدم الكشف عن هويته: "من الناحية السياسية، كان الأهم أن ينظر إلى فانس على أنه يسعى لإنهاء الحرب، مع بقائه في الوقت نفسه منسجمًا بشكل كامل مع الرئيس دونالد ترامب".
مكاسب سياسية
ويعتقد داعمو نائب الرئيس أن موقعه في قلب المفاوضات يمنحه فرصة تحقيق مكاسب سياسية سواء نجحت المحادثات أو فشلت؛ فإذا تقدمت المفاوضات، يمكنه نسب النجاح إلى جهوده، وإذا تعثرت، سيؤكد أنه كان محقًا منذ البداية في تشكيكه بالنوايا الإيرانية، وفقًا لـ"بوليتيكو".
ويمنحه هذا الموقف قبولًا لدى الجمهوريين الداعين إلى إنهاء الحرب سريعًا، كما يحظى بدعم الجناح الأكثر تشددًا الذي يؤيد استخدام القوة العسكرية، بينما يحافظ في الوقت نفسه على أهم عناصر موقفه السياسي، وهو إظهار الولاء الكامل للرئيس ترامب.
وقال أحد المقربين من فانس: "لا يمكن تحميله مسؤولية فشل جهود السلام. محاولة إنهاء الحرب لا ينبغي أن تُحسب ضده".
مخاوف اقتصادية
ورغم ذلك، يرى عدد من الجمهوريين أن أي حرب طويلة في الشرق الأوسط قد تلحق ضررًا سياسيًا بالإدارة الأمريكية، خصوصًا إذا أدت إلى استمرار ارتفاع أسعار الوقود.
وبحسب بيانات جمعية السيارات الأمريكية، بلغ متوسط سعر جالون البنزين 3.88 دولار أمس الجمعة، بعد أسابيع من التراجع، في حين حذرت الوكالة الدولية للطاقة من أن استمرار التوترات في الخليج يهدد استقرار أسواق النفط ويعرقل عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
كما سجلت حركة السفن عبر مضيق هرمز أدنى مستوياتها خلال أسبوعين.
ويرى مسؤولون سابقون في إدارة ترامب أن مذكرة التفاهم التي شكّلت أساس المفاوضات لم تعالج قضايا جوهرية، من بينها الربط بين الوضع في لبنان ووقف إطلاق النار في مضيق هرمز، إضافة إلى مسألة السيطرة على المضيق.
وقال أحد المسؤولين السابقين إن فانس "هو الشخص الذي لديه أكثر ما يخسره"، معتبرًا أن فشل الاتفاق سيُحسب عليه سياسيًا.
معضلة طهران
من جانبها، حملت الإدارة الأمريكية مسؤولية انهيار وقف إطلاق النار لما وصفته بـ"عناصر مارقة" داخل إيران لا تتوافق مع فريق التفاوض.
وقال مسؤول أمريكي كبير إن بعض الأطراف الإيرانية تراجعت عن التفاهمات بعد أن شعرت بأنها فقدت أوراق ضغط كانت تعتقد أنها لا تزال تملكها، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في بنود الاتفاق نفسها، وإنما في تنفيذها.
وردد "فانس" الموقف ذاته خلال كلمة ألقاها في ولاية ويسكونسن، مؤكدًا أن الاتفاق "بسيط للغاية"، مضيفًا: "إذا استهدفوا السفن، فسوف نرد بقوة".
ورغم الانتقادات، يحظى "فانس" بدعم شخصيات بارزة داخل تيار "أمريكا أولًا" المناهض للتدخلات العسكرية، التي ترى أن موقعه كنائب للرئيس يفرض عليه هامشا محدودا من الحركة.
وقال كورت ميلز، رئيس تحرير مجلة The American Conservative: "إنهاء الحرب هو الطريق الأكثر أمانا أمام فانس نحو الرئاسة، وهو أيضًا الخيار الصحيح، لذلك ليس أمامه سوى المحاولة".
رهان على انتخابات 2028
ويؤكد حلفاء نائب الرئيس أن أي تعثر في عملية السلام لن يؤثر سلبًا على فرصه في الانتخابات الرئاسية لعام 2028، بل قد يعزز صورته باعتباره بذل جهدًا حقيقيًا لإنهاء الصراع، مع التزامه الكامل بسياسات الرئيس ترامب.
وقال أحد داعميه: "إذا تمكن من القول إنه ساهم في إعادة فتح مضيق هرمز، وخفض أسعار الوقود، وأظهر أن الولايات المتحدة ردت بقوة عندما خرقت إيران الاتفاق، فسيكون ذلك مكسبًا سياسيًا وليس عبئًا".
وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن الإدارة الأمريكية موحدة في موقفها، مشيرًا إلى أن أي تقدم في المفاوضات يتطلب إعلانًا إيرانيًا واضحًا يؤكد فتح جميع ممرات مضيق هرمز أمام الملاحة وعدم استهداف السفن.
وأضاف المسؤول: "إما أن تقدم إيران هذا الالتزام، أو لن تكون النتائج في صالحها".
ويعتبر مؤيدو فانس أن استعداده للعودة إلى الخيار العسكري عند الضرورة يبعث برسالة مفادها أن الإدارة الأمريكية لن تسمح لطهران باستغلال وقف إطلاق النار لإعادة ترتيب أوراقها.
ومنذ بداية الأزمة، حرص نائب الرئيس الأمريكي على تقديم نفسه باعتباره منفتحًا على الحلول الدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه متشكك في استعداد إيران لتغيير سلوكها.